لومومبا المدرجات.. مشجع كونغولي يحوّل الصمت إلى رسالةٍ في ملاعب "كان المغرب"
منذ انطلاق نهائيات كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب، خطف مشجع من جمهورية الكونغو الديمقراطية الأنظار داخل المدرجات، ليس بهتافاته أو حركاته الاستعراضية، بل بصمته التام وثباته اللافت.
اسمه "ميشيل كوكا مبولادينغا"، ويُلقب بـ"لومومبا"، نسبة إلى الزعيم التاريخي باتريس إيميري لومومبا، أول رئيس وزراء للكونغو بعد الاستقلال.
يحضر كوكا مباريات منتخب بلاده واقفًا، دون حركة، من صافرة البداية إلى صافرة النهاية. لا يجلس، لا يصفق، لا يصرخ. مجرد جسد ثابت ونظرة مشدودة نحو المستطيل الأخضر.
هذا السلوك غير المألوف جعله في ظرف أيام قليلة إحدى أبرز "ظواهر" البطولة، حيث تحيط به عدسات الكاميرات، ويتجمع حوله المشجعون لالتقاط الصور عقب كل مباراة.
خلال مباراة الكونغو الديمقراطية والسنغال (1-1) في الجولة الثانية من دور المجموعات، ظل كـوكا واقفًا بلا حراك لما يقارب 115 دقيقة، في مشهد أثار دهشة الجماهير والمتابعين.

لكن هذا الثبات ليس وليد الصدفة، بل طقس مقصود يندرج ضمن رؤية فنية ورسالية، كما يشرح هو نفسه، باعتباره فنانًا ومنشطًا يؤمن بقوة الجسد الصامت في إيصال المعنى.
في فترات ما قبل المباريات، يؤدي كـوكا حركات بيده تحاكي بدقة الإيماءات الشهيرة للزعيم باتريس لومومبا أثناء خطاباته، مستعيدًا صورة رجل الدولة الذي قاد معركة الاستقلال واغتيل سنة 1961، بعد عام واحد فقط من تحرر البلاد من الاستعمار البلجيكي.
لا يكتفي "لومومبا المدرجات" بالحضور الرمزي، بل يحول صمته لدلالات سياسية واضحة. ففي بعض اللقطات، يظهر وهو يضع إصبعه على رأسه في إشارة إلى المسدس، مع إغلاق فمه، في تعبير صامت عن ما يعتبره تجاهلًا دوليًا للمآسي الإنسانية المتواصلة في شرق الكونغو الديمقراطية.
بهذا المعنى، يتحول كوكا مبولادينغا من مجرد مشجع إلى صوت احتجاجي، يستثمر منصة قارية بحجم كأس إفريقيا لإعادة طرح أسئلة العدالة، الكرامة والصمت الدولي، بعيدًا عن الشعارات المباشرة.
يظل اغتيال باتريس لومومبا أحد أكثر الأحداث إيلامًا في التاريخ السياسي الإفريقي الحديث. رجل حمل مشروع دولة مستقلة ذات سيادة حقيقية، ودافع عن وحدة وطنية تتجاوز الانقسامات العرقية والجهوية، قبل أن يسقط ضحية صراعات داخلية وتدخلات خارجية موثقة، خاصة من بلجيكا والولايات المتحدة، في سياق الحرب الباردة.
تحوّل لومومبا، بعد اغتياله، إلى رمز عالمي لمناهضة الإمبريالية وإلى أيقونة للكرامة الإفريقية المهدورة. ولا تزال قضيته تمثل جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الجماعية للقارة، ودليلًا على الثمن الباهظ الذي دفعته الدول الإفريقية في بدايات الاستقلال.
في الكونغو الديمقراطية، يُنظر إلى ميشيل كـوكا مبولادينغا كشخصية رمزية، تجسد امتدادًا معاصرًا لفكر لومومبا. حضوره في مدرجات "كان 2025" ليس مجرد تشجيع كروي، بل فعل ذاكرة ومقاومة سلمية، يربط كرة القدم بالتاريخ، والسياسة بالوجدان الشعبي.
ومن المرتقب أن يواصل "لومومبا" طقسه الخاص خلال مباراة ثمن النهائي المرتقبة أمام الجزائر، السبت القادم، بمدرجات ملعب "مولاي الحسن" بالرباط، في موعد متجدد مع انتصار الصمت على الضجيج.




